القائمة الرئيسية

الصفحات

 مدينة النحاس: اللغز المفقود في رمال الصحراء


المقدمة

لطالما سحرتنا الحكايات الغامضة والمدن الأسطورية التي تحيط بها الأسرار. ومن بين هذه المدن، تبرز "مدينة النحاس"، واحدة من أكثر القصص إثارة في التراث العربي. ورد ذكرها في كتب الأدب العربي، خاصة في "ألف ليلة وليلة"، حيث وُصفت بأنها مدينة عظيمة بناها الجن، مليئة بالكنوز والمصائد المميتة، وتحرسها قوى غامضة لا تسمح لأحد بدخولها أو الخروج منها. فهل كانت مدينة النحاس حقيقة ضائعة في رمال الأندلس، أم أنها مجرد أسطورة خلدتها الحكايات؟ هذا ما سنستكشفه في هذه القصة المثيرة.





البداية: أمر الخليفة واكتشاف اللغز

في عصر الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، انتشرت في مجالسه قصص عن مدينة أسطورية تقع في أقصى المغرب، يُقال إنها بنيت بأمر من النبي سليمان، وأنها مليئة بالذهب والكنوز، لكن لم يستطع أحد دخولها بسبب أسوارها العالية المصنوعة بالكامل من النحاس.

أثارت هذه القصة فضول الخليفة، فأمر قائده موسى بن نصير، والي الأندلس آنذاك، بالبحث عن المدينة وكشف أسرارها. لم يكن موسى بن نصير رجلًا يهاب المغامرات، فجهز جيشًا من الفرسان والعلماء والمستكشفين، وانطلق في رحلة طويلة عبر الصحارى الشاسعة، مستعينًا بالدلائل التي سمعها من الرحالة والتجار الذين مروا بتلك الأرض.

بعد أسابيع من الترحال، وسط العواصف الرملية والمسالك الوعرة، لاح أمامهم منظر مذهل: أسوار ضخمة تمتد إلى الأفق، مصنوعة من النحاس اللامع، تعكس أشعة الشمس كأنها نار مشتعلة. كانت هذه، بلا شك، مدينة النحاس التي سمعوا عنها. لكن السؤال الذي حيرهم: كيف يمكنهم دخولها؟




اللقاء مع التماثيل الناطقة



اقترب موسى بن نصير وجنوده من أسوار المدينة، محاولين العثور على أي مدخل، لكن لم تكن هناك أبواب ظاهرة. وبينما كانوا يستكشفون محيط السور، وجدوا تماثيل نحاسية مصطفة على جانبيه، بوجوه بشرية لكن بملامح باردة لا حياة فيها.

عندما اقتربوا منها، انطلقت من أحد التماثيل صيحة مدوية، وكأنه نطق بكلمات سحرية:
"أيها القادمون، لا تتقدموا! من يدخل مدينة النحاس لا يعود أبدًا!"

ارتعد الجنود وتراجعوا في خوف، لكن موسى بن نصير لم يكن رجلًا يسهل إخافته. أمر جنوده بتجاهل التماثيل، وواصل البحث عن أي وسيلة للدخول.

أثناء التجول، عثروا على قبة نحاسية غريبة وسط الصحراء، كانت تبدو كأنها مدخل سري. فتحوها بحذر، ليجدوا بداخلها جنيًا مكبلاً بالسلاسل، تبدو عليه علامات العذاب. ما إن رأى النور حتى صرخ:
"احذروا! هذه المدينة ملعونة، بُنيت بأمر سليمان لحبس الأرواح الشريرة، ولا يسمح لأي بشري بدخولها!"

لكن هذا التحذير لم يكن كافيًا لردع موسى، فقد كان مصممًا على كشف حقيقة المدينة.


المحاولة الأخيرة لدخول المدينة



قرر موسى بن نصير تجربة عدة طرق لدخول المدينة، فأمر جنوده بتسلق الأسوار، لكن كل من حاول تسلقها تعرض لتيار كهربائي قوي ألقى به أرضًا ميتًا في الحال. حاولوا استخدام الحبال، لكنها احترقت بمجرد لمسها للنحاس.

وبينما كانوا يحاولون فك اللغز، صعد أحد المستكشفين إلى قمة تلة قريبة لمراقبة المدينة من الأعلى، وما إن نظر إليها حتى صرخ وسقط ميتًا. وعندما تفقدوا جثته، وجدوا عينيه مفتوحتين على اتساعهما، كأنه رأى شيئًا يفوق قدرة البشر على الاستيعاب.

أيقن موسى بن نصير عندها أن هذه المدينة ليست مكانًا عاديًا، بل قد تكون فخًا لا نجاة منه. وهكذا، أمر جنوده بجمع ما استطاعوا من المعلومات، ثم الانسحاب فورًا.


النهاية: أسطورة بلا إجابة

غادر موسى بن نصير المكان وعاد إلى الأندلس، لكنه ظل يحكي قصته عن المدينة العجيبة التي لم يتمكن أحد من دخولها. تناقل الناس حكاياته، وأضاف كل جيل لمسة من الخيال إلى القصة، حتى أصبحت مدينة النحاس واحدة من أشهر الأساطير في التراث العربي.

لكن السؤال يبقى: هل كانت مدينة النحاس حقيقة ضائعة في رمال الصحراء، أم أنها مجرد وهم بناه خيال الرواة؟ لا أحد يعلم، وربما تظل هذه المدينة لغزًا أبديًا لا إجابة له، محفورًا في كتب التاريخ والأساطير، ينتظر من يجرؤ على كشف سره.


تعليقات

التنقل السريع